الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى
مقدمة 39
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز
( 2 / 5 ) مارست تقنية الحذف والإيجاز تأثيرات متعددة في تشكيل الطهطاوي لمادة سيرته ، ويعد إدخال كلمة الإيجاز في العنوان " نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز " دالا أوليا على تلك التأثيرات . وتبدو فاعلية هذه التقنية بعنصريها - الحذف والإيجاز - جلية في حذف الطهطاوي للواحدة السردية الكبرى الأولى في سيرة ابن هشام وهي واحدة المبتدأ ، واستعاضته عنها بتقديم بعض الجوانب الأساسية في حياة العرب في الجاهلية وانتهائه إلى الحديث عن الإرهاصات الداخلية والخارجية بمولد النبي ( ص ) ، وذلك في الجزء الأوّل من " أنوار توفيق الجليل " ( 53 ) ، واللافت هنا أن الطهطاوي قد قدم نبوءة سيف بن ذي يزن بمولد النبي ( ص ) ، وذلك في لقائه بعبد المطلب ، وهذا ما يتناقص مع ما يبدو من ميل الطهطاوي إلى تجاهل كثير من الرؤى والنبوات التي اعتمدت عليها كثير من نصوص السير السابقة ، على نحو ما يظهر ، على سبيل المثال ، في سرده وقائع غزوة بدر . وبقدر ما كان الحذف دالا على مسعى الطهطاوي إلى استبعاد عناصر متعددة من متن السيرة السابقة عليه فإن الطهطاوي كان يعمد إلى الاتكاء على عنصر الإيجاز حيث كان يقدم بإيجاز شديد الدلالة الأساسية التي تشير إليها تلك الواحدة المحذوفة ؛ فإذا كانت سيرة ابن هشام قد أفاضت في تقديم أخبار العرب قبل ميلاد الرسول ولذلك لتمجد شخصية الرسول ( ص ) بوصفه المثل الأعلى للبطولة العربية ( 54 ) فإن الطهطاوي قد حذف تلك الواحدة ، وقدم في ، إطار تناوله للإرهاصات بمولد النبي " ص " ، تفسيرا سياسيا يثبت حاجة الجماعة العربية إلى رسالته . وإذا كان الطهطاوي قد بدأ سيرته بمولد النبي " ص " فإنه قدم نسبه بإيجاز مقارنة بسيرة ابن هشام ( 55 ) ، ومتفقا في هذا مع كتّاب النمط المختصر للسيرة كابن عبد البر وابن حزم . وتبدو تقنية الحذف والإيجاز بارزة في حذف الطهطاوي لمعظم أسانيد المرويات المختلفة من أخبار وأحاديث وحكايات واكتفائه دائما بالراوى الأوّل أو الأصلي لكل منها . ويلتقى الطهطاوي في ذلك مع كتّاب النمط المختصر من السيرة ، كما يلتقى